أحمد بن محمد ابن عربشاه

298

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

قال يسار : بارك الله فيك وأبقاك لذويك ، فما أدق نظرك وأحسن في عواقب الأمور فكرك ، وأصوب غوصك على جواهر الانتقاد ، وأغرب بوصك « 1 » إلى زواهر الاعتقاد ، فقل ما بدا لك مما يزين حالي وحالك ، فإن حرمتي حرمتك وحشمتى حشمتك ، فإن عظمتني فقد عظمت نفسك ، وإن وفرت مالي فقد زدت كدسك « 2 » . والخادم إذا لم يقصد رفعة مخدومه ويعد ذلك من أكبر همومه ، ويسعى فيه ساعة فساعة وفي كل مكان وعند كل جماعة ، وإلا فيدل ذلك على خساسة مقداره ، وقصور نظره ولؤم نجاره « 3 » ، وركاكة همته واستبذال حرمته . فقال أبو زنمة : أول شروطى يا ذا العظمة : أن لا تقترب المؤذين ولا تلتفت إلى الأسرار المغتابين ، ولا تضيع الأوقات في الإمغاء إلى القينات ، ولا تسمع كلام واش وتعد كلامه أقل من لاش . ثانيها : أن لا تعجل في فصل الحكومات ؛ بل تتعاطاه بالتفتيش والالتفات إلى أن تتجلى صورتها وتتعين حقيقتها ، فإذا وضحت لديك ، وتخلت مخدرة حقيقتها عليك ، أجهد فيها بالصدق وأعمل بما يقتضيه الحق . ثالثها : أن لا تعوّد لسانك الفحش والبذاءة ، فإن في ذلك على الملك أسوأ إساءة فإن الكلام يؤثر في القلوب ، وينفر من قبيحة الطالب والمطلوب وقد قيل : جراحات السنان لها التئام * ولا يلتام ما جرح اللسان « 4 » [ 48 ] [ قصة عيسى عليه السلام مع الكلب : ] وقد قيل : إن عيسى عليه السلام مر بجماعة في بعض الأيام فصادفوا كلبا أجرب فقال له : سلمك الله اذهب ، فقال كل من أصحابه ، مما كان معبّى في جرابه من الاستنقاص وطلب البعد عنه والمناص ، وما سلموا إلى عيسى حاله ؛ بل سألوه عن كلامه له وما دعا له .

--> ( 1 ) السبق والتقدم . ( 2 ) أي زدت ، وتكدس حبك عندي . ( 3 ) أي القصد . ( 4 ) السنان : نصل الرمح .